أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
327
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بالوارث من طريق الالتزام كما دل عليه في قوله : فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ أي : تركه الموروث ، فصار التقدير : يوصى بها الموروث ، هكذا أعربه الناس فجعلوه حالا : الزمخشري وغيره . إلا أن الشيخ « 1 » ردّ ذلك بأنه يؤدّي إلى الفصل بين هذه الحال وعاملها بأجنبي منهما ، وذلك أنّ العامل فيها « يوصى » كما تقرر ، وقوله : « أَوْ دَيْنٍ » أجنبي لأنه معطوف على « وَصِيَّةٍ » الموصوفة بالعامل في الحال ، قال : « ولو كان على ما قالوه من الإعراب لكان التركيب : « من بعد وصية يوصى بها غير مضارّ أو دين » . وهذا الوجه مانع في كلتا القراءتين : أعني بناء الفعل للفاعل أو المفعول ، وتزيد عليه قراءة البناء للمفعول وجها آخر ، وهو أن صاحب الحال غير مذكور ، لأنه فاعل في الأصل حذف وأقيم المفعول مقامه ، ألا ترى أنك لو قلت : « ترسل الرياح مبشّرا بها » بكسر الشين ، يعني : « يرسل اللّه الرياح مبشّرا بها » فحذفت الفاعل وأقمت المفعول مقامه ، وجئت بالحال من الفاعل لم يجز فكذلك هذا » ثم خرّجه على أحد وجهين : إمّا بفعل يدل عليه ما قبله من المعنى ؛ ويكون عامّا لمعنى ما يتسلّط على المال بالوصية أو الدين وتقديره : يلزم ذلك ماله ، أو يوجبه فيه غير مضارّ بورثته بذلك الإلزام أو الإيجاب . وإمّا بفعل مبني للفاعل لدلالة المبني للمفعول عليه أي : يوصي غير مضارّ ، فيصير نظير قوله : يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ « 2 » على قراءة من فتح الباء . قوله : وَصِيَّةٍ في نصبها أربعة أوجه : أحدها : أنها مصدر مؤكّد ، أي : يوصيكم اللّه بذلك وصية . الثاني : أنها مصدر في موضع الحال ، والعامل فيها يوصيكم . قاله ابن عطية . والثالث : أنها منصوبة على الخروج : إمّا من قوله : « فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ » أو من قوله : « فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ » وهذه عبارة تشبه عبارة الكوفيين . والرابع : أنها منصوبة باسم الفاعل وهو « مُضَارٍّ » ، والمضارّة لا تقع بالوصية بل بالورثة ، لكنه لمّا وصّى اللّه تعالى بالورثة جعل المضارّة الواقعة بهم كأنها واقعة بنفس الوصية مبالغة في ذلك ، ويؤيد هذا التخريج قراءة الحسن : « غير مضارّ وصية » بإضافة اسم الفاعل إليها على ما ذكرناه من المجاز ، وصار نظير قولهم : « يا سارق الليلة » التقدير : يا سارقا في الليلة ، ولكنه أضاف اسم الفاعل إلى ظرفه مجازا واتّساعا ، فكذلك هذا ، أصله : غير مضارّ في وصية من اللّه ، فاتّسع في هذا إلى أن عدّي بنفسه من غير واسطة ، لما ذكرت لك من قصد المبالغة . وهذا أحسن تخريجا من تخريج أبي البقاء فإنه ذكر في تخريج قراءة الحسن وجهين : أحدهما : أنه على حذف « أهل » أو ذي أي : غير مضارّ أهل وصية أو ذي وصية . والثاني : على حذف وقت أي : وقت وصية قال : « وهو من إضافة الصفة إلى الزمان ، ويقرب من ذلك قولهم : « هو فارس حرب » أي : فارس في الحرب ، وتقول : « هو فارس زمانه » أي : في زمانه ، كذلك تقدير القراءة : غير مضار في وقت الوصية . ومفعول « مضارّ » محذوف إذا لم تجعل « وصية » مفعولة أي : غير مضارّ ورثته بوصية .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 191 ) . ( 2 ) سورة النور آية ( 36 ) .